ابن أبي العز الحنفي
433
شرح العقيدة الطحاوية
والذي قاله عامة أهل السنة ] : أن للعبد قدرة هي مناط الأمر ولنهي ، وهذه قد تكون قبله ، لا يجب أن تكون معه ، والقدرة التي بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل ، لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة . وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع ، والتمكن وسلامة الآلات - فقد تتقدم الأفعال . وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا آل عمران : 97 . فأوجب الحج على المستطيع ، فلو لم يستطع إلا من حج لم يكن الحجّ قد وجب إلّا على من حج ، ولم يعاقب أحدا على ترك الحج ! وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين الاسلام . وكذلك قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ التغابن : 16 . فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة ، فلو كان من لم يتق اللّه لم يستطع التقوى ، لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من اتقى ، ولم يعاقب من لم يتق ! وهذا معلوم الفساد . وكذا قوله تعالى : فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً . المجادلة : 4 . والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات وكذا ما حكاه سبحانه من قول المنافقين : لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ التوبة : 43 . وكذّبهم في ذلك القول ، ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة الفعل - ما كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين ، وحيث كذّبهم دل [ على ] أنهم أرادوا بذلك المرض أو فقد المال ، على ما بين تعالى بقوله : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى التوبة : 91 ، إلى أن قال : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ التوبة : 93 . وكذلك قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ النساء : 25 . والمراد : استطاعة الآلات والأسباب . ومن ذلك قول صلى اللّه عليه وسلّم لعمران بن حصين : « صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنيب » « 611 » . إنما نفى استطاعة الفعل معها . وأما ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة ، فقد ذكروا فيها قوله تعالى : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ هود : 20 . والمراد نفي حقيقة
--> ( 611 ) البخاري وغيره « صفة الصلاة » ( ص 58 - الطبعة الحادية عشرة ) .